فخر الدين الرازي

314

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [ محمد : 20 ] ورابعها : المعنى ومثل كل واحد منهم كقوله : يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [ غافر : 67 ] أي يخرج كل واحد منكم . السؤال الثالث : ما الوقود ؟ وما النار ؟ وما الإضاءة ؟ وما النور ؟ ما الظلمة ؟ الجواب : أما وقود النار فهو سطوعها وارتفاع لهبها ، وأما النار فهو جوهر لطيف مضيء ، حار محرق ، واشتقاقها من نار ينور إذا نفر ، لأن فيها حركة واضطراباً ، والنور مشتق منها وهو ضوؤها ، والمنار العلامة ، والمنارة هي الشيء الذي يؤذن عليه . ويقال أيضاً للشيء الذي يوضع السراج عليه ، ومنه النورة لأنها تطهر البدن والإضاءة فرط الإنارة ، ومصداق ذلك قوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً [ يونس : 5 ] و « أضاء » يرد لازماً ومتعدياً . تقول : أضاء القمر الظلمة ، وأضاء القمر بمعنى استضاء قال الشاعر : - أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم * دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه وأما ما حول الشيء فهو الذي يتصل به ، تقول دار حوله وحواليه ، والحول السنة لأنها تحول ، وحال عن العهد أي تغير ، وحال لونه أي تغير لونه ، والحوالة انقلاب الحق من شخص إلى شخص ، والمحاولة طلب الفعل بعد أن لم يكن طالباً له ، والحول انقلاب العين ، والحول الانقلاب ، قال اللّه تعالى : لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا [ الكهف : 108 ] والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير ، والظلمة في أصل اللغة عبارة عن النقصان قال اللّه تعالى : آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [ الكهف : 33 ] أي لم تنقص وفي المثل : من أشبه أباه فما ظلم ، أي فما نقص حق الشبه ، والظلم الثلج لأنه ينتقص سريعاً والظلم ماء السن وطراوته وبياضه تشبيهاً له بالثلج . السؤال الرابع : أضاءت متعدية أم لا ؟ الجواب : كلاهما جائز ، يقال : أضاءت النار بنفسها وأضاءت غيرها وكذلك أظلم الشيء بنفسه وأظلم غيره أي صيره مظلماً ، وهاهنا الأقرب أنها متعدية ، ويحتمل أن تكون غير متعدية مستندة إلى ما حوله والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء ، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة « ضاء » السؤال الخامس : هلا قيل ذهب اللّه بضوئهم لقوله : فَلَمَّا أَضاءَتْ ؟ الجواب : ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة ، فلو قيل ذهب اللّه بضوئهم لأوهم / ذهاب الكمال وبقاء ما يسمى نوراً والغرض إزالة النور عنهم بالكلية . ألا ترى كيف ذكر عقيبه : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ والظلمة عبارة عن عدم النور ، وكيف جمعها ، وكيف نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة خالصة وهو قوله : لا يُبْصِرُونَ السؤال السادس : لم قال : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ولم يقل أذهب اللّه نورهم والجواب : الفرق بين أذهب وذهب به أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهباً ، ويقال ذهب به إذا استصحبه ، ومعنى به معه ، وذهب السلطان بماله أخذه قال تعالى : فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ [ يوسف : 15 ] إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [ المؤمنون : 91 ] والمعنى أخذ اللّه نورهم وأمسكه وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ [ فاطر : 2 ] فهو أبلغ من الإذهاب وقرأ اليماني « أذهب اللّه نورهم » . السؤال السابع : ما معنى ( وتركهم ) ؟ والجواب : ترك إذا علق بواحد فهو بمعنى طرح وإذا علق بشيئين كان بمعنى صير ، فيجري مجرى أفعال القلوب ومنه قوله : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ أصله هم في ظلمات ثم دخل ترك فنصبت الجزئين . السؤال الثامن : لم حذف أحد المفعولين من لا يبصرون ؟ الجواب : أنه من قبيل المتروك الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال ، لا من قبيل المقدر المنوي ، كأن الفعل غير متعد أصلًا . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 18 ] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 )